من يحمي المواطن عندما تقع الجريمة أمام أعين الجميع؟




في قلب العاصمة، حيث يفترض أن يكون حضور الدولة وأجهزتها الأمنية أكثر وضوحاً، تتزايد مخاوف المواطنين من مظاهر انفلات أمني باتت تثير أسئلة جدية حول قدرة المنظومة الأمنية على حماية الناس وممتلكاتهم.
جرائم قتل وتنكيل، وعمليات خطف وسرقة تحت تهديد السلاح، بل واستخدام أسلحة ثقيلة في بعض الوقائع، كلها مشاهد تترك أثراً عميقاً في نفوس المواطنين، وتطرح سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الأهمية: كيف يمكن أن يشعر المواطن بالأمان إذا وقعت الجريمة أمام عينيه، بينما تمر عناصر أمنية أو عسكرية بالقرب من المكان دون أن تتدخل؟
المسألة هنا لا تتعلق فقط بوقوع الجريمة، فالجريمة يمكن أن تقع حتى في أكثر المجتمعات استقراراً. لكن الخطورة تكمن عندما يتحول الخوف إلى شعور دائم بأن المعتدي قد يفلت من العقاب، أو عندما يشعر المواطن أن وجود عناصر الأمن في محيط الجريمة لا يضمن بالضرورة التدخل الفوري.
الأمن الحقيقي لا يقاس بعدد السيارات الأمنية التي تجوب الشوارع، ولا بعدد نقاط التفتيش، وإنما بمدى قدرة الدولة على منع الجريمة، والتدخل عند وقوعها، وملاحقة مرتكبيها، وضمان وصولهم إلى العدالة.
ومن أكثر الأمور إثارة للقلق ما يرويه مواطنون عن مرور عناصر عسكرية أو أمنية بالقرب من بعض الحوادث دون تدخل واضح. وإذا ثبتت صحة مثل هذه الوقائع، فإنها تستحق تحقيقاً جاداً لتحديد المسؤوليات، لأن عدم التدخل في جريمة خطيرة، عندما يكون التدخل ممكناً ومطلوباً قانوناً، قد يفتح الباب أمام أسئلة لا يمكن تجاهلها.
وفي المقابل، ينبغي عدم إطلاق أحكام عامة على جميع أفراد القوات الأمنية والعسكرية بسبب تصرفات منسوبة إلى بعض الأفراد. فالمؤسسة الأمنية تضم آلاف العناصر، والمسؤولية يجب أن تُحدد بناءً على الوقائع والتحقيقات، لا على الشائعات أو الانطباعات.
الأخطر من ذلك هو ظهور أسلحة ذات قوة نارية كبيرة في بعض الجرائم داخل المناطق الحضرية. فوجود هذا النوع من السلاح بين أيدي الخارجين عن القانون لا يمثل تهديداً للضحايا فحسب، بل يشكل تحدياً مباشراً لهيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون.
وهنا تبرز ضرورة معرفة مصدر هذه الأسلحة، وكيف وصلت إلى أيدي المجرمين، ومن يسهّل تداولها، وما إذا كانت هناك ثغرات في منظومة حيازة الأسلحة ومراقبتها.
إن مكافحة الجريمة لا تبدأ فقط بعد وقوعها؛ بل تبدأ من منع وصول السلاح إلى الأيدي غير المصرح لها بحمله.
قد تعلن الجهات المختصة، بعد فترة من وقوع الجريمة، عن توقيف أحد المتورطين. وهذا أمر مهم، لكنه لا يعالج وحده جوهر المشكلة.
المواطن يريد أن يعرف: لماذا لم تتمكن الأجهزة المختصة من منع الجريمة؟ ولماذا لم تصل النجدة في الوقت المناسب؟ وهل تمت مطاردة الجناة فور وقوع الحادث؟ وهل خضع المتهمون للتحقيق وفق القانون؟ وهل هناك من ساعدهم أو وفر لهم الحماية أو السلاح؟
والأكثر حساسية هو ما يُثار أحياناً بشأن تورط أفراد ينتمون إلى مؤسسات عسكرية أو أمنية في بعض الجرائم. وإذا ثبت تورط أي فرد، فإن انتماءه إلى مؤسسة يفترض أن تحمي القانون يجب ألا يكون سبباً للإفلات من المسؤولية، بل على العكس، ينبغي أن يخضع للمساءلة القانونية والإدارية المناسبة، وفق الأدلة والإجراءات المعمول بها.
الأمن ليس امتيازاً لفئة دون أخرى، وليس شعاراً يُرفع في المناسبات. الأمن حق أساسي للمواطن، وواجب على الدولة.
ولهذا فإن معالجة مظاهر الانفلات الأمني داخل العاصمة تتطلب أكثر من حملات توقيف متفرقة. إنها تحتاج إلى استجابة سريعة، وانتشار أمني فعال، وتحقيقات مهنية، ورقابة على السلاح، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو تورطه، أياً كانت صفته أو رتبته.
كما أن الشفافية في إعلان نتائج التحقيقات، في حدود ما يسمح به القانون، يمكن أن تساعد في استعادة ثقة المواطنين. فالصمت أمام الأسئلة الأمنية لا يطمئن الناس، بل يترك المجال واسعاً للشائعات والخوف.
في النهاية، لا يطلب المواطن المستحيل. هو يريد أن يسير في شارع العاصمة دون أن يخشى الاختطاف، وأن يعود إلى منزله دون أن يكون ضحية لعملية سطو، وأن يثق بأن من يحمل السلاح باسم الدولة موجود لحمايته، وأن من يحمل السلاح خارج القانون سيواجه العدالة.
فحين يهتز الأمن في العاصمة، لا تكون الخسارة في الممتلكات والأرواح وحدها، بل في الثقة بين المواطن والدولة. واستعادة هذه الثقة تبدأ عندما يشعر المواطن أن القانون حاضر، وأنه فوق الجميع، وأن لا أحد أكبر من المساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *