بين التقاعد وتكدّس الخريجين: أين الخلل وأين الحل؟
قراءة في الواقع التشادي



🖊 أبكر محمد أبكر الكانمي

في كل عام، يغادر عدد كبير من الموظفين في تشاد إلى سنّ التقاعد، بعد سنوات طويلة من الخدمة في قطاعات التعليم، الصحة، الإدارة، والأمن. وفي المقابل، تستقبل الجامعات والمعاهد آلاف الخريجين الجدد، الحالمين بوظيفة تضمن لهم الاستقرار والكرامة.
لكن السؤال الذي ظلّ يتردد منذ زمن طويل هو: أين البديل؟ ولماذا لا يجد الخريجون مكانهم الطبيعي في سوق العمل؟
في الواقع التشادي، نلاحظ أن كثيرًا من الإدارات تفقد موظفين ذوي خبرة عند إحالتهم للمعاش، دون وجود خطة واضحة لإحلال شباب مؤهلين مكانهم. فتخرج الخبرة من المؤسسة، ويبقى الفراغ قائمًا، بينما يقف الخريجون في طوابير الانتظار لسنوات.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك قطاع التعليم، حيث يتقاعد معلمون وأساتذة كل عام، ومع ذلك تستمر معاناة خريجي كليات التربية من البطالة أو العمل المؤقت. والسبب ليس قلة الحاجة، بل ضعف التنظيم والتوظيف المرحلي ونقل الخبرة.
أما في قطاع الصحة، فرغم النقص الكبير في الكوادر الطبية في المناطق الريفية، نجد خريجي التمريض والقبالة والصحة العامة متركزين في المدن، أو بلا عمل، بسبب غياب التوزيع العادل، وضعف الدعم والتجهيز في الأطراف. وهذا مثال حي على أن المشكلة ليست في عدد الخريجين، بل في سوء الإدارة والتخطيط.
كذلك، ما زال مفهوم النجاح الوظيفي في المجتمع التشادي مرتبطًا بالوظيفة الحكومية فقط، رغم محدوديتها. هذا التصور جعل كثيرًا من الشباب يرفضون العمل المهني أو الحر، في حين أن مجالات مثل الزراعة الحديثة، تربية المواشي، التجارة الصغيرة، والخدمات الصحية المجتمعية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية، لو وُجد التدريب والتمويل البسيط والتشجيع.
ومن التجارب الإيجابية في تشاد، نرى بعض المبادرات الشبابية والجمعيات الصحية والتطوعية التي استطاعت أن تصنع فرقًا حقيقيًا، حيث اكتسب شباب من خلالها خبرة ميدانية، فتحت لهم أبواب العمل داخل وخارج البلاد. هذه المبادرات تؤكد أن الخبرة أحيانًا أهم من الشهادة وحدها.
إن الحل يبدأ من اعتماد سياسة إحلال وظيفي واضحة، يتم فيها تدريب الشباب قبل تقاعد الموظفين، وضمان انتقال الخبرة. كما يتطلب الأمر ربط التعليم بسوق العمل الحقيقي، وتشجيع العمل الحر، ودعم المبادرات الشبابية، خاصة في الأقاليم.
في الختام، يمكن القول إن الوظيفة لم تعد حقًا مضمونًا في الواقع التشادي، لكن العمل متاح لمن يملك المهارة والإرادة. وإذا أحسنّا التخطيط واستثمرنا في الشباب، يمكن أن يتحول الخريجون من عبء اقتصادي إلى قوة بناء حقيقية لمستقبل تشاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *